مجد الدين ابن الأثير

255

المختار من مناقب الأخيار

وروي أنّ أبا سليمان الهاشميّ كان له دخل بالبصرة في كلّ يوم ثمانون ألف درهم ، فبعث إلى علماء البصرة يستشيرهم في امرأة يتزوّجها ، فأجمعوا على رابعة العدويّة ، فكتب إليها : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أما بعد ، فإنّ الذي هو ملكي في غلّة الدّنيا في كلّ يوم ثمانون ألف درهم ، وليس يمضي إلّا قليل حتى أتمّها مائة ألف إن شاء اللّه تعالى . وأنا أخطبك إلى نفسك ، وقد بذلت لك من الصّداق مائة ألف درهم ، وأنا مصيّر إليك بعد ذلك أمثالها ، فأجيبيني . فكتبت إليه : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أمّا بعد ، فإنّ الزّهد في الدنيا يريح القلب والبدن ، والرّغبة فيها تورث الهمّ والحزن ، وإذا أتاك كتابي فهيّئ زادك ، وقدّم لمعادك ، وكن وصيّ نفسك ، ولا تجعل وصيّتك إلى غيرك « 1 » ، وصم دهرك ، واجعل الموت فطرك . فما يسرّني أنّ اللّه تعالى خوّلني أضعاف ما خوّلك ، ويشغلني بك عنه طرفة عين ، والسلام « 2 » . وقال أبو جعفر المديني : قيل لرابعة « 3 » : هل عملت عملا ترين أنّه يقبل منك ؟ قالت : إن كان فمخافتي أن يردّ عليّ . وقال جعفر بن سليمان : أخذ بيدي سفيان الثّوريّ فقال : مرّ [ بنا ] إلى المؤدّبة التي لا أجد من أستريح إليه إذا فارقتها . فلمّا دخلنا عليها رفع سفيان يده ، وقال : اللّهمّ ، إنّي أسألك السلامة . فبكت رابعة ، فقال لها : ما يبكيك ؟ قالت : أنت عرّضتني للبكاء . فقال لها : وكيف ؟ قالت : أما علمت أنّ السلامة من الدّنيا ترك ما فيها ، فكيف وأنت متلطّخ بها ؟ فقال

--> ( 1 ) في ( أ ) : « وصيك غيرك » . ( 2 ) وفيات الأعيان 2 / 286 . ( 3 ) في صفة الصفوة 4 / 29 : « أبو جعفر المديني ، عن شيخ من قريش ، قال : قيل لرابعة . . . » .